ابن عجيبة

456

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

المخالفة ، وذلك درجة الأول من الولاية ، والأبرار أهل الاستقامة في المعرفة ، وبين أن أهل التقوى في الجنة ، والأبرار في الحضرة . ه . ولمّا عاتب الحق تعالى ، فيما تقدم ، أهل الكتاب ، وكان فيهم من لا يستحق العتاب ؛ لاتباعه الحق والصواب ، أخرجه الحق تعالى بقوله : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 199 ] وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 199 ) يقول الحق جل جلاله : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ؛ كعبد اللّه بن سلام وأصحابه ممن أسلم من اليهود ، لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ إيمانا حقيقيا ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ من القرآن ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من التوراة ، حال كونهم خاشِعِينَ لِلَّهِ خاضعين مخبتين وافين بالعهد ، لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا ، كما فعل المحرفون من أحبار اليهود ، أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي : ما وعدوا به من تضعيف أجرهم مرتين ، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ؛ فيسرع إلى توفية أجورهم وإكرام منقلبهم ؛ لأن اللّه عالم بالأعمال وما تستوجبه من النوال ، فلا يحتاج إلى تأمل ولا احتياط ؛ لأنه غنى عن التأمل والاحتياط . وقيل : نزلت في النصارى : أربعين من نجران ، واثنين وثلاثين من الحبشة ، قدموا على النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأسلموا . وقيل : نزلت في النجاشي ، لما نعاه جبريل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فخرج - عليه الصلاة والسلام - ، وصلى عليه ، فقال المنافقون : انظروا إلى هذا ، يصلى على علج « 1 » نصراني ، فنزلت الآية . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قد رأينا بعض الفقهاء حصل لهم الإيمان بخصوص أهل زمانهم ، فتحققوا بولايتهم ، ونالوا شيئا من محبتهم ، لكن لم تساعفهم الأقدار في صحبتهم ، فظهرت عليهم آثار أنوارهم ، واقتبسوا شيئا من أسرارهم ، فتنورت سريرتهم ، وكملت شريعتهم ، وأظهر عليهم آثار الخشوع ، وأخذوا حظا من التواضع والخضوع ، متخلقين بالقناعة والورع ، قد ذهب عن قلبهم ما ابتلى به غيرهم من الجزع والهلع ، فلا جرم أن هؤلاء لهم أجرهم مرتين : أجر ما تحملوا من الشريعة لنفع العوام ، وأجر ما اكتسبوا من محبة القوم ؛ « المرء مع من أحب » . وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق .

--> ( 1 ) العلج : الرجل القوى الضخم .